كنيسة القديس جوارجيوس (الخضر) في يافا:
حكاية صمود وتراث عريق
تُعد كنيسة القديس جوارجيوس، المعروفة شعبياً باسم “كنيسة الخضر“، واحدة من أبرز المعالم الروحية والتاريخية في مدينة يافا. تروي جدرانها قصة إيمان تمتد لقرون، حيث ارتبط اسم الكنيسة بالقديس جوارجيوس، الجندي الروماني الذي استشهد عام 307م دفاعاً عن إيمانه، وأصبح رمزاً عالمياً لانتصار الخير على الشر، وهو ما تجسده أيقونة “تنين الخضر” الشهيرة.
لم يكن بناء الكنيسة وليد الصدفة، بل قام فوق مغارة أثرية قديمة كانت مزاراً مقدساً للحجاج والمسافرين عبر العصور. وتثبت الوثائق التاريخية وجود هذا المكان المقدس في يافا منذ عام 1716م على الأقل، مما يجعله من أقدم المواقع الأرثوذكسية في المنطقة.
بُنيت الكنيسة الحالية بجهود أبناء الطائفة الأرثوذكسية في يافا بين عامي 1870 و1875م. وتتميز بجمال أيقوناتها التي تمزج بين الفن البيزنطي والمدرسة الروسية، وسقفها الخشبي المزين بزخارف دينية ونجوم تعكس دقة الفن في القرن التاسع عشر.
لم يكن تاريخ الكنيسة هادئاً دائماً، فقد خاضت الجمعيات الأرثوذكسية المحلية في يافا صراعاً قضائياً استمر لـ 25 عاماً للدفاع عن حق الطائفة في إدارة أوقافها وكنيستها. وانتهى هذا النزاع في عام 2010 باتفاقية تاريخية سجلت أرض الكنيسة (بمساحة 6115 م²) باسم الجمعية المحلية، مما ضمن بقاء الكنيسة مزاراً مفتوحاً ورمزاً للهوية العربية الأرثوذكسية في قلب يافا.
معالم هامة من داخل الكنيسة:
الكنيسة من الخارج: تبرز وسط المقبرة الأرثوذكسية التاريخية.
المزار (المغارة) : المكان المقدس الذي يقع أسفل بناء الكنيسة الحالي.
أيقونات وسقف الكنيسة : لوحات فنية تعود للعام 1874م.
وثائق تاريخية: وثيقة من عام 1716 تثبت قدم المكان.
المغارة
تُعد المغارة الموجودة أسفل الكنيسة الجزء الأقدم والأكثر رمزية في الموقع، وتفاصيلها المستمدة:
كانت المغارة مركزاً روحياً هاماً حتى قبل بناء الكنيسة الكبيرة فوقها، حيث كانت تُمارس فيها الصلوات والطقوس الدينية.
عُرفت هذه المغارة تاريخياً باسم “المزار“، وكانت مقصداً دائماً للحجاج والمسافرين والمصلين الذين كانوا يزورونها للتبرك. وقد ورد ذكرها في وثائق المحكمة الشرعية في القدس عام 1833م تحت مسمى “مزار سيدنا الخضر“ بخصوص طلب لترميم سقفها.
مبنية من حجر الكركار، وتبلغ مساحتها حوالي 18 متراً مربعاً. يتصدر هذه المغارة مذبح، وقد استُخدمت كمكان للصلاة.
تتميز المغارة بوجود فتحة عمودية في نهايتها تصل مباشرة إلى هيكل (مذبح) الكنيسة العلوية. وداخل هذه الفتحة، يوجد عمود منتصب منحوت على طرفه صليب.
يُفترض أن هذه المغارة كانت جزءاً من الكنيسة القديمة، وهي الأساس الذي بُنيت فوقه الكنيسة الحالية التي تم تدشينها عام 1871م.
وفقاً لاتفاقية التسوية التي أقرّتها المحكمة العليا عام 2010، تُعرف هذه المغارة بـ “قاعة الصلاة السفلى“، وهي جزء لا يتجزأ من مبنى الكنيسة الذي تمنح الاتفاقية للجمعية الأرثوذكسية حق إدارته واستعماله بشكل دائم.
المقبرة الأرثوذكسية التاريخية
تُعد المقبرة الأرثوذكسية التاريخية في يافا ركناً أساسياً من تاريخ المدينة وطائفتها، وقد ارتبط وجودها وتطورها بشكل وثيق بكنيسة القديس جوارجيوس (الخضر). وتفاصيلها المستمدة:
تقع المقبرة في الجهة الجنوبية (القبلية) خارج أسوار مدينة يافا القديمة مباشرة، وكانت أولى المقابر المسيحية التي أقيمت في تلك المنطقة بمحاذاة السور الجنوبي بالقرب من مبنى الجمارك والميناء.
يحد موقع المقبرة (الذي يضم الكنيسة حالياً) من الشمال سور يافا التاريخي والخندق، ومن الغرب أرض دير الأرمن وصولاً إلى ميناء يافا، ومن الشرق شارع يافيت (المدارس)، ومن الجنوب “الكرنتينا” (المحجر الصحي) الأرثوذكسية والأرمنية.
تثبت الوثائق وجود “مقبرة قديمة” تابعة للبطريركية في هذا الموقع منذ عام 1753م على الأقل، حيث منعت المحكمة الشرعية آنذاك محاولات للبناء على تلك الأرض باعتبارها وقفاً للمقبرة.
بُنيت كنيسة القديس جوارجيوس (الخضر) الحالية داخل حدود هذه المقبرة بمبادرة من عائلات الطائفة الأرثوذكسية العربية في يافا (مثل عائلة دباس) في سبعينيات القرن التاسع عشر.
يوجد بجانب الكنيسة صرح (نصب تذكاري) يضم رفات الموتى الذين دُفنوا في محيط الكنيسة بين عامي 1842 و1916م.
في عامي 1945-1946م، قامت المؤسسات الأرثوذكسية بجمع رفات العديد من الموتى الذين كانوا مدفونين في أرجاء أرض الكنيسة ووضعتها في قبر جماعي واحد، وذلك لتهيئة أطراف الأرض لمشاريع بناء وتطوير تخدم الطائفة.
هذا المحتوى مستقى من كتاب: “تاريخ كنيسة القديس جوارجيوس الأرثوذكسية في يافا“، إعداد: بيتر فؤاد حبش.