تُعدّ الطائفة العربية الأرثوذكسية في يافا واحدة من أبرز الجماعات الوطنية التي لعبت دورًا مهمًا في الحفاظ على الهوية العربية والدينية في فلسطين، حيث امتدت مسيرتها على مدار أكثر من قرن من الزمن، حافلة بالنضال الاجتماعي والوطني والمؤسساتي.
بدأت هذه المسيرة في أواخر القرن التاسع عشر، حين تأسست عام 1879 “الجمعية الخيرية الأرثوذكسية في يافا”، التي حملت رسالة إنسانية واضحة تهدف إلى دعم أبناء الطائفة وخدمتهم. وبعدها بسنوات، وتحديدًا عام 1896، أُنشئت “جمعية القديس جوارجيوس الأرثوذكسية”، التي ساهمت أيضًا في تعزيز العمل الاجتماعي والكنسي داخل المجتمع الأرثوذكسي في المدينة .
مع بداية القرن العشرين، برزت قضية مركزية تمثلت في صراع الطائفة العربية الأرثوذكسية مع البطريركية اليونانية، التي كانت تسيطر على الأوقاف الكنسية. ففي عام 1908 اندلعت ما عُرف بـ”ثورة الطائفة العربية الأرثوذكسية”، مطالبة بحقوقها في إدارة أوقافها وتمثيلها، وكانت يافا في طليعة هذا الحراك الوطني .
وفي السنوات التالية، شهدت الطائفة نشاطًا اجتماعيًا وتعليميًا ملحوظًا، حيث تأسست عام 1910 “جمعية السيدات الأرثوذكسية لعضد اليتيمات”، كما تدخلت الحكومة العثمانية في نفس العام لتنظيم إدارة الأوقاف من خلال مجلس مختلط يضم رجال دين وعلمانيين . وتواصل هذا الزخم مع إنشاء المدرسة الوطنية الأرثوذكسية عام 1921، ومدرسة البنات عام 1923، إلى جانب تأسيس النادي الأرثوذكسي في يافا عام 1924، مما ساهم في بناء جيل متعلم وواعٍ .
في ظل الانتداب البريطاني، استمر الصراع حول الحقوق، حيث شُكّلت لجنة تحقيق عام 1925 أقرت بحقوق الطائفة العربية في الأوقاف، مؤكدة أنها ليست ملكًا للبطريركية وحدها، بل للطائفة مصلحة مباشرة فيها . كما عُقد المؤتمر الأرثوذكسي العربي الثاني في يافا عام 1931، الذي شدد على ضرورة تحقيق تمثيل عربي عادل في إدارة شؤون الكنيسة .
شهدت ثلاثينيات القرن الماضي نهضة عمرانية، تمثلت في بناء مخازن ومساكن ومرافق حول الكنيسة، دعمت النشاط الاقتصادي والتعليمي للطائفة. لكن هذه المسيرة تعرضت لضربة قاسية عام 1948 مع سقوط يافا، حيث سيطر الجيش الإسرائيلي على المدرسة الوطنية، وتشتت أبناء الطائفة، رغم بقاء الكنيسة تحت إدارة الجمعيات المحلية .
بعد النكبة، بدأت مرحلة إعادة البناء، إذ أُعيد تنظيم الجمعيات وتسجيلها عام 1951، واستطاعت الطائفة استعادة جزء من ممتلكاتها، مما شكل نقطة انطلاق جديدة لمواصلة المسيرة . واستمر العمل المؤسسي عبر العقود، مع تأسيس نشاطات كشفية، وترميم الكنيسة، وتعزيز الحياة الاجتماعية.
في العقود اللاحقة، خاضت الطائفة معارك قانونية طويلة للحفاظ على ممتلكاتها، خاصة ضد دعاوى البطريركية التي حاولت السيطرة على الكنيسة، إلا أن المحاكم أنصفت الجمعيات في عدة قرارات، أبرزها في التسعينيات . كما شهدت الفترة نفسها إعادة افتتاح المدرسة الأرثوذكسية وترميم النادي، مما أعاد الحياة للمؤسسات التعليمية والاجتماعية.
وفي عام 2008، تحقق إنجاز كبير بتسجيل الأراضي والممتلكات المحيطة بالكنيسة باسم الجمعية الخيرية بعد صراع دام عقودًا، تبعه عام 2010 اتفاق رسمي أنهى النزاع مع البطريركية حول ملكية الكنيسة .
لم تخلُ هذه المسيرة من التضحيات، حيث استُشهد عام 2011 جابي أنيس أقديس، أحد أبرز قيادات الطائفة، أثناء دفاعه عن ممتلكاتها، في حدث ترك أثرًا عميقًا في المجتمع .
وفي السنوات الأخيرة، واصلت الجمعية نشاطها، حيث افتتحت عام 2022 قاعة لخدمة أبناء الطائفة، وأُطلق عليها لاحقًا اسم الشهيد جابي أقديس تكريمًا له. كما استمرت الجهود في استعادة الممتلكات، ومنها شراء عقار مجاور للكنيسة عام 2025 .
وهكذا، فإن تاريخ الطائفة العربية الأرثوذكسية في يافا هو قصة صمود وإصرار، جسدت فيها الأجيال المتعاقبة التمسك بالحقوق والهوية، والعمل الجماعي من أجل الحفاظ على الإرث الديني والوطني، رغم كل التحديات السياسية والتاريخية التي مرت بها.